التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شخصية بيتهوفن

كان بيتهوفن يائساً في حياته، فإصابته بالصمم وآلام بطنه المزمنة -التي بدأت في العشرينات من عمره- أدّت به للتفكير بالانتحار مرّاتٍ عديدة وهذا يظهر جليّاً في وصيّة هايلجنشتات التي أرسلها لأخويه كارل ونيكولس؛ وكان بيتهوفن كذلك سريع الغضب وقد قيلَ بأنّه كان مُصاباً باضطّراب ثُنائي القطب. وكان بيتهوفن بالرغم من شخصيّته المزاجيّة، كانَ مُحاطاً بالأصدقاء والمُقرّبين طوال حياته، واستمرّ على علاقة مع الناس حتّى آخر يومٍ من حياته.
تُشير المصادر على أنّ بيتهوفن كان يستحقر السُلطات والمجتمع الطبقي الذي عاش فيه. وكان لديه اعتزازُ بنفسه، حيثُ كان يتوقّف عن العزف في الحفلات إذا ما صار الجمهور يتحدّثون فيما بينهم أو إذا لم يمنحوه الاهتمام الكافي، كما كان يرفض العزف إذا ما دُعي فجأة لذلك من دون ميعادٍ مُسبق، في النهاية، يُمكن القول أن بيتهوفن لم تنطبق عليه قوانين المُجتمع في عصره، بل كان يتصرّف على طبيعته في جميع الأحوال.وكانت حياتُه عبارة عن ثورة على الأستقراطية وثورة الفرد على الذلّ والعبوديّة، وكان مُتأثّراً بالفِكر التنويريّ.
يُذكر أنّ بيتهوفن كان يؤلّف سيمفونيّته الثالثة ليُهديها لابن الثورة الفرنسيّة نابليون الأول، وفي أثناء ذلك، جاءه تلميذُه فرديناند ريس في إحدى أيّام عام 1804 ليُخبره بإعلان نابليون نفسه إمبراطوراً على فرنسا، فاستشاط غضباً وقال: "إذاً فهو كباقي الناس، جاء ليدوس على حقوق الإنسان، ويتمادى في تحقيق أطماعه الشخصيّة." واتّجه بيتهوفن إلى المكتب وأمسك بصفحة عنوان السيمفونية من أعلاها. وقد خطّ عليها اسم بونبارت، ومزقها بالطول، ورمى بها أرضاً. وانتهى أمره إلى محو اسم بونبارت من عنوان سيمفونيته الثالثة وسماها: سيمفونية البطولة - في ذكرى رجلٍ عظيم.
لم يكن بيتهوفن يحترم كبيراً ولا صغيراً، كان يُهاجم الكنيسة والدولة والحزب الحاكم والسلطات القائمة في البلاط الإمبراطوري، ويفعل ذلك بصوتٍ عال على مسمع الناس، وباللهجة نفسها التي يسخر بها من مدير الأوبرا، أو يعنف القائمين على خدمته. وكان الغضب هو السبيل الوحيد للتعبير عن مشاعره.
تعليمه كان ناقصاً وهذا مُلاحَظ في كتابته من كثرة أخطاء الهجاء، إلى التعبيرات السقيمة، وعدم النظام في وضع الفواصل، وخطٌ رديء عانى الأخصائيون صعوبة في فك رموزه. ويقال بأنّه لم يعرف من الحساب سوى الجمع والطرح. فقد وُجِد مكتوباً بخط يده على إحدى الأوراق الرقم 42 مُكرراً ثلاث عشرة مرة، وتحتها حاصل المجموع.
كانت معاملة بيتهوفن مع ناشريه معاملة السيد المطاع، والعميل الوقح، لا يتحرّج من اتهامهم بالسرقة، ونهب نتاج العبقرية. ولم يكن بيتهوفن بعيداً عن ذلك، فقد كشفت الدراسات عن معاملاتٍ ماليّة احتياليّة، كان يبيع مؤلفاً لأكثر من ناشر، أو يتناول أجراً مُقدّماً عن عمل لا يقوم به، وربما لم يكن في نيته أن يؤديه. وكانت له قضايا لا تنتهي مع زبائن لم يُسدّدوا له أجره.
يُعتبر بيتهوفن أوّل الفنّاني الذين نادَوا بحقّ الفن ماديّاً وأدبيّاً في المجتمع، وأول الفنانين يعيش حرا من كد ذهنه ولا يدينون بشيء في الحياة إلا لنتاج عبقريتهم يقدّمونه في السوق ويتقاضون أجره. فقد كان الموسيقيّون قبل بيتهوفن يُعتَبرون خدماً لأشخاص أو بأفضل الأحوال يُعتبرن خدماً لهيئات عامّة. فمثلاً جوزيف هايدن عاشَ في قصر آل استرهازي، يرأس المجموعة الموسيقيّة هُناك، وكان يلبِس لباس الخَدم في القصر؛ وموتسارت كان يجلِس مع الخدم في الطابق السفلي من القصر الذي عاش فيه. أما بيتهوفن فكان يجلس مع الملوك والأمراء ويأكل على موائدهم. لذلك أعتُبِر بيتهوفن خاتمة الكلاسيكيين وأول الرومانسيين في الموسيقى. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المقاوم عسو أوبسلام

عسو أوبسلام ، مقاوم مغربي أمازيغي من قبائل  آيت عطا ، حارب الاستعمار الفرنسي، منذ احتلاله  المغرب  إلى حدود الثلاثينياث من القرن العشرين، كان زعيم المقاومة المغربية بالجنوب الشرقي. معركة بوغافر اجتمعت قبائل آيت عطا سنة 1932 بقصر "تاغيا"، وانتخبت عسو أوبسلام قائدا عاما للجهاد، وبعد خضوع أغلب المناطق المغربية للاحتلال الفرنسي، حاولت هذه القوات الاستعمارية التوغل في الجنوب الشرقي المغربي، وإخضاع منطقة صاغرو وقبائل آيت عطا تحت سيادتها، التي شكلت سدا منيعا أمام توسعها، حيث لجأت المقاومة المغربية إلى  الأطلس الصغير  باعتباره منطقة آمنة، واستطاع عسو أوبسلام قيادة  المقاومة  الأمازيغية ضد الاستعمار الفرنسي، إذ دخل معهم في معارك شرسة حسمت لصالحه، فقد كبد عسو قوات الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والعتاد واستدرج الغزاة نحو معارك مرهقة بكل من "تاوزا" و"النيف " و"تازارين" و" ناقوب"، وفي سنة 1933م بعد مناوشات عديدة بين الطرفين، اندلعت معركة بوغافر في منطقة صاغرو و"أسيف ملول" وجبل "بادو" في شرق  الأطلس الكبير  ، ان...

الملك الحسن الثاني👑

الوظائف و الأسباب# عمل إلى جانب والده مستشاراً سياسياً خاصة بعد تعيينه وليا للعهد عام  1957  بحكم تكوينه الدراسي وثقافته الواسعة والنباهة التي عرف بها منذ الصغر، إذ حضر ولم يتجاوز بعد سن الرابعة عشرة اللقاء التاريخي بين والده والرئيس الأميركي  فرانكلين روزفلت  ورئيس الوزراء البريطاني  ونستون تشرشل  في  الدار البيضاء  عام  1943 . شارك في المفاوضات التي أجريت في فبراير/شباط  1956  حول استقلال المغرب، وعينه والده قائدا عاما للقوات الملكية المسلحة ورئيسا لأركانها، وفي عام  1960  تقلد منصب وزير الدفاع. تولى عرش  المملكة المغربية  منذ مارس/آذار  1961  إلى 23 يوليو/تموز  1999 ، فعمل خلال 38 سنة -هي مدة حكمه- على قيادة  المغرب .  [3] توليه العرش# في سنة  1961  تولى الحسن الثاني حكم المغرب بعد وفاة والده  محمد الخامس ، تعرض الحسن الثاني للعديد من محاولات الاغتيال في الـ38 سنة التي قضاها في الحكم، وكانت محاولة " الصخيرات "  1971  ومن بعدها محاولة " القني...

المتنبي

كان المتنبي صاحب كبرياء وشجاعة وطموح ومحب للمغامرات، وكان في شعره يعتز بعروبته، ويفتخر بنفسه، وأفضل شعره في الحكمة وفلسفة الحياة ووصف المعارك، إذ جاء بصياغة قوية محكمة. وكان شاعرا مبدعا عملاقا غزير الإنتاج يعد بحق مفخرة للأدب العربي، فهو صاحب الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة. وجد الطريق أمامه أثناء تنقله مهيئاً لموهبته الشعرية الفائقة لدى الأمراء والحكام، إذا تدور معظم قصائده حول مدحهم. لكن شعره لا يقوم على التكلف والصنعة، لتفجر أحاسيسه وامتلاكه ناصية اللغة والبيان، مما أضفى عليه لوناً من الجمال والعذوبة. ترك تراثاً عظيماً من الشعر القوي الواضح، يضم 326 قصيدة، تمثل عنواناً لسيرة حياته، صور فيها الحياة في القرن الرابع الهجري أوضح تصوير، ويستدل منها كيف جرت الحكمة على لسانه، لاسيما في قصائده الأخيرة التي بدا فيها وكأنه يودع الدنيا عندما قال: أبلى الهوى بدني. شهدت الفترة التي نشأ فيها أبو الطيب تفكك  الدولة العباسية  وتناثر الدويلات الإسلامية التي قامت على أنقاضها. فقد كانت فترة نضج حضاري وتصدع سياسي وتوتر وصراع عاشها العرب والمسلمون. فالخلافة في  بغد...